يُعرَّف الذكاء العاطفي -المعروف باسم الحاصل العاطفي أو EQ- أنَّه القدرة على: فهم واستخدام وإدارة عواطفك بطرائق إيجابية للحدِّ من التوتر، والتواصل بفعالية، والتَّعاطف مع الآخرين، والتغلُّب على التحديات، ونزع فتيل الصراعات، وبناءِ علاقاتٍ أقوى، والنجاح في المدرسة والعمل، وتحقيق الأهداف المهنية والشخصية، والتواصل مع المشاعر، وتحويل الأهداف إلى أفعال، واتخاذ قرارات مستنيرة بشأنِ أهمِّ الأمور.
عادةً ما يُربَط الذكاء العاطفي بأربع سمات، هي:
في الواقع، ليس الأشخاص الأذكياء هم الأكثر نجاحاً في الحياة، فربَّما تعرف أشخاصاً يتمتعون بالذكاء المعرفي ولكنَّهم غير مؤهلين اجتماعياً، وغير ناجحين في العمل أو العلاقات الشخصية؛ إذ لا تكفي القدرة الفكرية -أو حاصل الذكاء المعرفي (IQ)- وحدها لتحقيق النجاح في الحياة.
لا ننكر أنَّ معدل الذكاء من شأنِه أن يُساعدك في الالتحاق بالجامعة، ولكنَّ ذكاءك العاطفي هو الذي سيساعدك على إدارة الضغوطات والعواطف عند مواجهة اختباراتك النهائية.
يرتبط الذكاء المعرفي والذكاء العاطفي ببعضهما بعضاً، فهما يعملان جنباً إلى جنب، ويكونان أكثر فاعلية عندما يُبنى كلٌّ منهما على الآخر.
يؤثِّر الذكاء العاطفي في العديد من جوانب حياتنا، بل ربَّما في حياتنا بأكملها، وهذه ليست بمبالغة؛ إذ إنَّ الذكاء العاطفي هو ما يُحدِّد نجاحنا في شتى المجالات.
إليك بعض الجوانب التي تتأثَّر به:
- أداؤك في المدرسة أو العمل: يمكن أن يساعدك الذكاء العاطفي العالي على اجتياز التعقيدات الاجتماعية في مكان العمل، وقيادة وتحفيز الآخرين، والتميُّز في حياتك المهنية.
لقد اختلف مفهوم الذكاء العاطفي حالياً بالنسبة إلى الحياة المهنية عن ذي قبل، إذ تُصنِّف العديد من الشركات الذكاء العاطفي على أنَّه قدرة تقنية هامَّة، وتُجري اختبار ذكاء عاطفي للمُتقدِّمين للوظائف الهامَّة عند فرزهم قبل التوظيف.
- صحتك البدنية: إذا لم تكن قادراً على إدارة عواطفك، فمن المحتمل ألَّا تستطيع إدارة الإجهاد أيضاً، وقد يؤدِّي هذا إلى مشكلات صحية خطيرة؛ إذ إنَّ الإجهاد يرفع ضغط الدم، ويضر بالجهاز المناعي، ويزيد من خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية، ويساهم في التسبب بالعقم، ويسرِّع عملية الشيخوخة؛ لذا فالخطوة الأولى لتحسينِ الذَّكاء العاطفي هي تعلُّم كيفية إدارة الضغط والإجهاد.
- صحتك العقلية: يؤثِّر الذكاء العاطفي أيضاً في صحتك العقلية، إذ من المُحتمل أن يؤثِّر سوء إدارة العواطف والضغوطات في صحتك العقلية؛ ممَّا يجعلك عرضة إلى القلق والاكتئاب.
إذا لم تتمكَّن من فهم مشاعرك أو إدارتها، فستجد صعوبة في تكوينِ علاقات قوية، وقد يُشعِرك هذا بدوره بالوحدة والعزلة، ويزيد من تفاقم أيِّ مشكلات تتعلَّق بالصحة العقلية.
- علاقاتك: تستطيع من خلال فهم مشاعرك ومعرفة طريقة التحكُّم فيها التعبير عن شعورك، وفهم شعور الآخرين بشكلٍ أفضل؛ كما يتيح لك ذلك التواصل بطريقةٍ أكثر فاعلية، وإقامة علاقات أقوى في العمل وحياتك الشخصية.
- ذكاؤك الاجتماعي: يخدم التناغم مع مشاعرك أغرضاً اجتماعية، إذ يوصلك بالأشخاص والعالم من حولك، ويمكِّنك من تمييزِ الصديق من العدو، ومعرفة مدى اهتمام الشخص الآخر بك، وتقليل التوتر، وتحقيق التوازن بين نظامك العصبي من خلال التواصل الاجتماعي، والشعور بالحبِّ والسعادة.
لحسنِ الحظ، يمكن تعلُّم المهارات التي تشكل الذكاء العاطفي في أيِّ وقت؛ ومع ذلك، من الهامِّ أن تتذكَّر أنَّ هناك فارقاً بين مجرَّد تعلُّم الذَّكاء العاطفي، وتطبيقه في حياتك؛ إذ إنَّ علمك بأنَّ عليك القيام بشيءٍ ما لا يعني أنَّك سوف تفعله، خاصةً عندما تكون مُحاطاً بالضغوط.
إذا أردت تغيير السلوك بشكلٍ دائم بطرائق تصمد في مواجهة الضغوطات، فأنت تحتاج إذاً إلى معرفةِ كيفية التغلب على التوتُّرِ والضغط في الوقتِ الراهن وفي علاقاتك، من أجلِ أن تبقى ذا وعيٍ عاطفي.
فيما يأتِ المهارات الأساسية لبناءِ الذكاء العاطفي (EQ) وتحسين قدرتك على إدارةِ العواطف والتَّواصل مع الآخرين:
1. إدارة الذات.
2. الوعي الذاتي.
3. الوعي الاجتماعي.
4. إدارة العلاقات.
لكي تتمكَّن من التمتُّع بالذَّكاءِ العاطفي، يجب أن تكون قادراً على استخدامِ عواطفك لاتِّخاذِ قرارات بنَّاءة حول سلوكك؛ ذلك لأنَّه حين يُصاب المرء بالضغطِ المفرط، يفقد السيطرة على عواطفه وقدرته على التصرُّف بشكلٍ مدروسٍ ومناسب.
فكِّر في وقتٍ شعرت فيه بالضغوطات، هل كان من السهل التفكير بوضوح أو اتخاذ قرار عقلاني؟ على الأغلب لا؛ ذلك لأنَّه كما ذكرنا، عندما تتعرَّض إلى الضغط المفرط، تصبح قدرتك على التفكيرِ بوضوحٍ ودقة في تقييم عواطفك عُرضةً إلى الخطر.
تُعدُّ العواطف جزءاً هامَّاً من المعلومات التي تخبرك عن نفسك وعن الآخرين؛ ولكن في أثناء مواجهةِ الضغط الذي يُخرِجنا من منطقة راحتنا، قد نفقد السيطرة على أنفسنا.
يمكنك من خلال القدرة على إدارةِ التوتُّر والبقاء حاضراً عاطفياً، تعلُّم تلقِّي المعلومات المزعجة دون السماح لها بإفقادك التحكم بنفسك؛ حيث ستكون قادراً على اتِّخاذِ خياراتٍ تتيح لك التحكُّم في المشاعرِ والسلوكات الاندفاعية، وإدارة عواطفك بطرائق صحية، وامتلاك روح المبادرة، ومتابعة الالتزامات، والتكيف مع الظروف المتغيرة.
ليست إدارة الضغط سوى الخطوة الأولى لبناءِ الذكاء العاطفي، فتجربتك العاطفية الحالية من المُحتمل أن تكون انعكاساً لتجربةٍ مبكِّرة في حياتك؛ كما تعتمد قدرتك على إدارةِ المشاعرِ الأساسية -مثل: الغضب والحزن والخوف والفرح- على جودةِ واتِّساق تجاربك العاطفية المبكرة.
إذا كان والداك - أو أيُّ شخصٍ رعاك وأنت طفل - يقدِّران عواطفك ويقيِّمانها، فمن المحتمل أن تصبح عواطفك هامَّة وقيِّمة في سنِّ البلوغ؛ ولكن إذا كانت تجاربك العاطفية كطفلٍ مضطرِبة أو مؤلمة، فمن المحتمل أن تحاول أن تنأى بنفسك عن عواطفك.
لكنَّ قدرتك على التواصلِ مع عواطفك ومع تجاربك العاطفيَّة المُتغيِّرة من لحظةٍ إلى أخرى، هي مفتاحُ فهمِ كيفيَّة تأثير العواطف في أفكارك وأفعالك.
ولمعرفة الحقيقة، حاول الإجابة عن الأسئلةِ الآتية:
- هل تشعر بالمشاعر التي تتدفَّق مع مواجهة العواطف المُتغيِّرة في مختلف التجارب؟
- هل تُصاحب عواطفك أحاسيس جسدية في مناطق مثل: معدتك، أو حلقك، أو صدرك؟
- هل تشعر بالمشاعر والعواطف الفردية، مثل: الغضب والحزن والخوف والبهجة، ويتَّضِح كلٌّ منها في تعبيرات الوجه الدقيقة؟
- هل يمكنك الشعور بمشاعر قوية بما يكفي لجذب انتباهك وانتباه الآخرين؟
- هل تولي اهتماماً بمشاعرك؟ وهل تُعدُّ عاملاً مؤثِّراً في اتخاذ قرارتك؟
إذا كانت أيٌّ من هذه التجارب غير مألوفة بالنسبة إليك، فقد تكون قد "رفضت" أو "عطَّلت" عواطفك؛ ولكن من أجلِ بناءِ الذكاء العاطفي والتمتُّع بالصِّحةِ العاطفية، عليك إعادة التواصل مع مشاعرك الأساسية وقبولها؛ ويمكنك تحقيق ذلك من خلالِ ممارسةِ التأمُّل.
يعني التأمُّل ممارسة تركيز انتباهك على اللحظةِ الحالية دون إصدار أحكام. إنَّ لتنمية الوعي أو التأمل جذور في البوذية، ولكنَّ معظم الديانات تشمل تقريباً النهج نفسه من أساليب مشابهة في الصلاة أو التفكُّر.
يساعد التأمُّل على تحويلِ انشغالك بالتفكير نحو تقدير اللحظة الحالية والأحاسيس الجسدية والعاطفية، ويضفي منظوراً أكبر على الحياة، ويجعلك أكثر هدوءاً وتركيزاً؛ ممَّا يجعلك أكثر وعياً بذاتك.
يُمكِّنك الوعي الاجتماعي من التعرُّف على الإشارات غير اللفظيَّة التي يستخدمها الآخرون باستمرار للتواصل معك، وتتيح لك هذه الإشارات معرفة كيف يشعر الآخرون حقاً، وكيف تتغيَّر حالتهم العاطفية من لحظةٍ إلى أخرى، وما يهمهم بحق.
عندما ترسل مجموعات من الأشخاص إشارات غير لفظية مماثلة، يمكنك قراءة وفهم ديناميكيات القوة والتجارب العاطفية المشتركة للمجموعة؛ أي باختصار، تكون شخصاً متعاطفاً ومريحاً اجتماعياً.
إنَّ التأمُّل حليف الوعي العاطفي والاجتماعي
يتعيَّن عليك لبناء الوعي الاجتماعي، إدراك أهمية التأمُّل في العملية الاجتماعية؛ إذ لا يمكنك في النهاية التقاط إشارات غير لفظية خفية أو دقيقة عندما تكون غارقاً في عالمك الخاص، أو عندما تكون مُشتَّتاً أو تُفكِّر في أشياء أخرى، أو عندما تعبث في هاتفك مثلاً؛ إذ يتطلَّب الوعي الاجتماعي تركيز وجودك وحضورك الذهني في الوقتِ الحالي.
يفخر الكثيرون منَّا أحياناً بالقدرةِ على القيامِ بمهام مُتعدِّدة، لكنَّ هذا يعني أنَّك ستفوِّت التحوُّلات العاطفية غير الملحوظة التي تحدث في أشخاص آخرين، والتي تساعدك في فهمهم بالكامل.
على سبيل المثال: إذا كنت تشعر بعدم الارتياح لسماع الآخرين يعبرون عن آراء معينة، فسيعلِّمك هذا شيئاً هامَّاً عن نفسك.
يُعدُّ التعاون بشكلٍ جيِّدٍ مع الآخرين عملية تبدأ بالوعي العاطفي وقدرتك على إدراكِ وفهم ما يشعر به الآخرون؛ فبمجرد أن يعمل الوعي العاطفي، يمكنك تطوير مهارات اجتماعية أو عاطفية إضافية من شأنها أن تجعل علاقاتك مُثمرة وأكثر فاعلية.
- كن على دراية بمدى استخدامك للتواصل غير اللفظي:
إنَّه لمن المستحيل تجنُّب إرسال رسائل غير لفظية للآخرين حول ما تفكر فيه وما تشعر به، إذ تساعدك العديد من العضلات الموجودة في الوجه -وخاصةً تلك الموجودة حول العينين والأنف والفم والجبهة- على نقلِ مشاعرك الخاصة دون كلام، وكذلك قراءة النوايا العاطفية للأشخاص الآخرين.
يعمل الجزء العاطفي من دماغك دائماً؛ وحتَّى لو تجاهلت رسائله، فإنَّ الآخرين لن يفعلوا ذلك؛ كما يمكن أن يؤدِّي التعرُّف على الرسائلِ غير اللفظية التي ترسلها إلى الآخرين دوراً كبيراً في تحسين علاقاتك معهم.
- استخدام الفكاهة لتخفيف التوتر:
الفكاهة والضحك واللعب هي ترياق طبيعي للتوتر، فهي تقلل من أعبائك، وتساعدك على الحفاظ على الأمور في نصابها الصحيح؛ إذ يجعل الضحك نظامك العصبي في حالة توازن، ويقلل من الإجهاد، ويهدئك، ويجعلك أكثر تعاطفاً.
- تعلَّم أن ترى الصراع كفرصةٍ تقرِّبُك من الآخرين أكثر:
إنَّ الصراعات والخلافات أمر لابُدَّ منه في العلاقاتِ الإنسانية، إذ لا يمكن أن يتمتع شخصان بالاحتياجات والآراء والتوقعات نفسها في جميع الأوقات؛ ومع ذلك، لا يجب أن يكون هذا أمراً سيئاً، حيث يمكن أن يعزز حل الصراع بطرائق صحية وبنَّاءة الثقة بين الناس؛ فعندما لا يُنظَر إلى الصراع على أنَّه تهديدٌ أو عقاب، فهو يعزِّز الحرية والإبداع والأمان في العلاقات.